محمد بن جرير الطبري
142
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
كانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إذْ حَقَنتْ . . . سِلاءَها فِي أدِيم غَيْرِ مَرْبُوبِ ( 1 ) يعني بذلك : في أديم غير مُصلَحٍ . ومن ذلك قيل : إن فلانًا يَرُبُّ صنيعته عند فلان ؛ إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها ، ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدة : فكُنْتَ امرَأً أَفْضَتْ إليك رِبَابَتي . . . وَقَبْلَكَ رَبَّتْني ، فَضِعْتُ رُبُوبُ ( 2 ) يعنى بقوله : " أفضتْ إليك " أي وصلتْ إليك رِبَابتي ، فصرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري فتصلحه ، لمّا خرجتُ من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك عليّ ( 3 ) ، فضيَّعوا أمري وتركوا تفقُّده - وهم الرُّبوب : واحدهم ربٌّ . والمالك للشيء يدعى رَبَّه . وقد يتصرف أيضًا معنى " الربّ " في وجوه غير ذلك ، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة . فربّنا جلّ ثناؤه : السيد الذي لا شِبْه لهُ ، ولا مثل في سُؤدده ، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه ، والمالك الذي له الخلق والأمر . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله جلّ ثناؤه ( رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، جاءت الرواية عن ابن عباس : - 155 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
--> ( 1 ) ديوانه : 25 . سلأ السمن يسلؤه : طبخه وعالجه فأذاب زبده . والسلاء ، بكسر السين : السمن . وحقن اللبن في الوطب ، والماء في السقاء : حبسه فيه وعبأه . رب نحى السمن يربه : دهنه بالرب ، وهو دبس كل ثمرة ، وكانوا يدهنون أديم النحى بالرب حتى يمتنوه ويصلحوه ، فتطيب رائحته ، ويمنع السمن أن يرشح ، من غير أن يفسد طعمه أو ريحه . وإذا لم يفعلوا ذلك بالنحى فسد السمن . وأديم مربوب : جدا قد أصلح بالرب . يقول : فعلوا فعل هذه الحمقاء ، ففسد ما جهدوا في تدبيره وعمله . ( 2 ) ديوانه : 29 ، ويأتي في تفسير آية سورة آل عمران : 79 ، ( 3 : 233 بولاق ) والمخصص 17 : 154 ، والشعر يقوله للحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان ، وهو الحارث الأعرج المشهور . قال ابن سيده : " ربوب : جمع رب ، أي الملوك الذين كانوا قبلك ضيعوا أمري ، وقد صارت الآن ربابتي إليك - أي تدبير أمري وإصلاحه - فهذا رب بمعنى مالك ، كأنه قال : الذين كانوا يملكون أمري قبلك ضيعوه " . وقال الطبري فيما سيأتي : " يعني بقوله : ربتني : ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه فلم يصلحوه ، ولكنهم أضاعوني فضعت " . والربابة : المملكة ، وهي أيضًا الميثاق والعهد . وبها فسر هذا البيت ، وأيدوه برواية من روى بدل " ربابتي " ، " أمانتي " . والأول أجود . ( 3 ) في المطبوعة : " من الملوك الذين كانوا " ، غيروه ليوافق ما ألفوا من العبارة .